كل صيف وإحنا صغيرين، أنا وأخويا كنا بنروح نقعد عند جدي في بيته الريفي الصغير في **المنوفية**.أكتر حاجة كان جدي بيحبها ويفتخر بيها كانت الحمام الزاجل بتاعه. كان بيسميهم **"جوابات طايرة"**، وكان دايمًا يحكيلنا إزاي الحمام ده يقدر يطير مئات الكيلومترات، وبرغم كده يرجع لبيته ويلاقي طريقه لوحده.
وقتها، أنا وأخويا كنا بنحب جدي جدًا. لكن لما كبرنا، واحد بس فينا هو اللي فضل يروحله. أخويا كان دايمًا يقول إنه مشغول ومش فاضي يزور جدي، لكن الغريب إنه كان بيلاقي وقت يتصل بيه كل ما يحتاجه يكتب له شيك جديد.
أما أنا، فكنت ساكنة على بُعد مئات الكيلومترات، وبشتغل شغلانتين، ومع ذلك تقريبًا كل ويك إند كنت بسوق عربيتي وأروح لجدي. كنت باملى التلاجة بالأكل، وأوديه مواعيده عند الدكتور، وأنضف البيت، وأقعد جنبه جنب الغية أسمع حكاياته اللي كنت سمعتها يمكن عشرين مرة قبل كده.
وبالرغم من كده، كنت بحب أسمعها كل مرة كأنها أول مرة. لحد ما جه اليوم اللي جدي مات فيه. في جلسة قراءة الوصية، أخويا ورث فلوس جدي كلها تقريبًا. حساباته البنكية. عربيته. شقتُه في البلد. وكمان البيت الريفي.
أما أنا...فورثت **تمنية وتلاتين حمامة زاجلة والغية الخشب القديمة بتاعتهم.** فضلت كام ثانية باصة للمحامي وأنا مش مستوعبة. حسيت إن أكيد فيه ورقة ناقصة. لكن أخويا انفجر في الضحك. ولما خرجنا من عند المحامي، حط إيده على كتفي وقال بسخرية: **أخويا:** "كل السنين اللي كنتي بتسافري فيها مئات الكيلومترات كل ويك إند عشان جدي.
.. وفي الآخر ده اللي طلعلك؟ شوية حمام وغلة حمام؟" ضحك أكتر وقال: **أخويا:** "واضح إن جدي كان عارف مين يستاهل الأصول بجد." كلامه وجعني جدًا. طول الطريق وأنا راجعة، كنت بعيط. لكن رغم كل حاجة، مقدرتش أسيب الحمام. دي كانت أكتر حاجة جدي حبها في حياته.
وأخويا كان عايز يعرض البيت للبيع فورًا، فاداني أسبوعين بس عشان أنقل الحمام وأشوف هعمل بيهم إيه. طلبت من مديري إني أشتغل من البيت مؤقتًا، وانتقلت لبيت جدي الفاضي لحد ما ألاقي حل. كل صباح، كنت بصحى بدري، أحط الأكل للحمام، وأفتح لهم باب الغية بنفس الطريقة اللي جدي علمني بيها.
وأفضل واقفة أتفرج عليهم وهما بيلفوا في السما فوق البيت. الغريب إن وجودهم كان بيخليني أحس إن البيت لسه فيه جزء من جدي. لحد يوم الجمعة بالليل...أخويا وصل البيت ومعاه مصور عقارات عشان يصور المكان ويحطه للبيع.
كان طول الوقت بيتكلم عن السعر المتوقع، وقد إيه البيت ممكن يجيب فلوس. وفجأة...حمامة كبيرة لونها فضي طارت فوق الحوش، ونزلت على سور البلكونة. اتجمدت مكاني. أنا كنت عشت سنين وسط حمام جدي، لكن عمري ما شفت الحمامة دي قبل كده.
كانت أكبر من باقي الحمام بشكل واضح. وشكلها كان مميز جدًا، كأنها مش حمامة عادية. لكن أكتر حاجة شدت انتباهي...إن كان مربوط في رجلها **أنبوبة جلد صغيرة.** بصيت لأخويا. فجأة سكت. وشه اتغير. وبص للحمامة، وبعدين بصلي. وقال بصوت متوتر: **أخويا:** "ماتلمسيش دي. " بصيتله باستغراب.**أنا:** "ليه؟


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.