وآخر واحد خرج منها قبل ما الممرضة تيجي تقول لي الجملة اللي قسمت حياتي نصين: “البقاء لله.” البنت قامت بسرعة وقالت: — بابا… إنت تعرف الأبلة؟ بصيت لها. وبعدين بصيت له. بابا؟! حسيت إن نفسي اتقطع. قلت: — إنت أبوها؟
سامح بلع ريقه وقال: — أيوه. سألته وأنا صوتي بدأ يعلى: — من إمتى؟ بصلي باستغراب: — يعني إيه من إمتى؟ دي بنتي. قربت منه أكتر. — عندها كام سنة؟ البنت ردت بدل منه: — 16. إيدي بدأت تترعش. نفس السن. نفس الملامح. نفس العينين. نفس الحركة اللي بنتي كانت بتعملها لما تتوتر.
والأغرب… إن أبوها هو نفس الدكتور اللي كان موجود يوم وفاة بنتي. سامح قال بسرعة: — ممكن نتكلم لوحدنا؟ ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة. — لأ. وأشرت ناحية البنت. — إحنا أصلًا مجتمعين علشانها. درجاتها وقعت فجأة، وهي خايفة نتصل بيكم. وعايزة أعرف ليه.
البنت بدأت تعيط أكتر. سامح لف ناحيتها: — قولتلك ما تدخليش حد في مشاكل البيت. وقفت فورًا. — ماتكلمهاش بالطريقة دي. بصلي بحدة: — دي بنتي. قلت: — وهي طالبة عندي، وطالما موجودة في المدرسة وأنا شايفة إنها محتاجة مساعدة، مش هتجاهلها. سكت ثواني.
وبعدين البنت قالت جملة خلت قلبي يقع: — هو مش بابا الحقيقي. سامح لف لها بسرعة: — اسكتي! لكنها صرخت: — كفاية! وبصتلي وهي بتعيط: — أنا متبناة. الدنيا سكتت حواليّا. حتى صوت الطلبة في الممر اختفى من وداني. سألتها: — متبناة من إمتى؟ قالت: — معرفش… هما عمرهم ما قالولي التفاصيل.
وبصت ناحية سامح. — بس من أسبوع لقيت ورق قديم في مكتب بابا. سامح خبط بإيده على الترابيزة: — كفاية! انتفضت البنت. وأنا وقفت بينه وبينها. قلت له: — الورق ده فيه إيه؟ سامح بصلي. ولأول مرة… شفت الخوف الحقيقي في عينيه. مش عصبية. مش توتر.
خوف. البنت مدت إيدها جوه شنطتها. طلعت ظرف أبيض متني من النص. سامح اندفع ناحيتها: — هاتي الظرف! لكنها رجعت لورا بسرعة ومدتهولي. مسكته. سامح قال: — ماتفتحيهوش. رفعت عيني ناحيته. — ليه؟ ما ردش. فتحت الظرف. كان جواه صورة قديمة لطفلة صغيرة نايمة على سرير مستشفى.
أول ما شفت الصورة… ركبي ماقدرتش تشيلني. قعدت على الكرسي. لأن البيجامة اللي الطفلة لابساها… أنا اللي كنت شاريها. والدبدوب الصغير اللي جنبها… أنا اللي كنت حطاه جنب بنتي قبل وفاتها بساعات. قلبت الصورة بإيد بترتعش. نفس تاريخ اليوم اللي قالولي فيه إن بنتي ماتت. رفعت عيني ناحية سامح.
وقلت بصوت مخنوق: — دي بنتي. البنت شهقت. وسامح غمض عينيه. قمت وصرخت: — الصورة دي بتعمل عندك إيه؟! سامح فضل ساكت. مسكت الصورة قدام وشه: — أنا دفنت بنتي بإيدي! فتح عينيه وبصلي. وبصوت واطي جدًا قال: — لأ… سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت جسمي كله يتجمد: — إنتِ دفنتي نعش مقفول… لكنك ماشفتيش بنتك جواه. بصيت له وأنا مش قادرة آخد نفسي. أما البنت… فكانت واقفة بينا، ووشها كله دموع. وقالت: — حد يفهمني… وبعدين بصتلي مباشرة.
— حضرتك مين بالنسبة لي؟ الفصل الثاني — الحقيقة اللي اتدفنت 8 سنين البنت بصتلي وهي بتعيط وقالت: — حضرتك مين بالنسبة لي؟ ماعرفتش أرد. بصيت للدكتور سامح، وصرخت: — اتكلم! سامح قفل الباب بالمفتاح. الحركة دي لوحدها خلت قلبي يدق أسرع. قلت له: — إنت بتعمل إيه؟
رد بصوت واطي: — اللي هقوله دلوقتي لو خرج بره الأوضة، ناس كتير حياتها هتتدمر. ضحكت وأنا دموعي بتنزل: — حياتها هتتدمر؟! وقربت منه. — أنا حياتي اتدفنت من 8 سنين. سامح نزل عينه للأرض. البنت كانت واقفة جنب الحيطة، حضنة شنطتها لصدرها. قالت: — بابا… أنا مين؟ سامح ما ردش عليها.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.