"طب ليه قلتلي أوضة 307؟"
محمود ابتسم بحزن.
"دي أوضته قبل العملية."
دخلت.
الأوضة كانت فاضية.
لكن على الترابيزة جنب السرير، لقيت شنطة أحمد.
وقفت قدامها مش عارفة أفتحها.
وبعدين شفت ورقة صغيرة فوقها.
كان مكتوب عليها بخط إيده:
"لو إنتِ هنا... يبقى محمود كسر وعده."
شهقت.
فتحت الورقة بإيد بتترعش.
"حبيبتي..."
أول كلمة خلتني أنهار.
كملت القراءة.
"أنا عارف إنك هتزعلي مني، وعارف إنك هتقولي إني ماكانش ينفع أخبي عليكي. ويمكن تكوني عندك حق."
"بس أنا قضيت حياتي وأنا بحاول أنقذ الناس، ولأول مرة في حياتي لقيت نفسي أنا اللي محتاج حد ينقذني."
"وأنا خفت."
وقفت عن القراءة ومسحت دموعي.
"خفت أشوف الخوف في عينيكي."
"وخفت بنتنا تكبر وهي فاكرة إن أبوها مريض."
"عشان كده فضلت أشتغل، وأرجع متأخر، وأقول لك إن المستشفى محتاجني."
"الحقيقة إن أنا كنت محتاج المستشفى."
"كنت محتاج أفضل واقف على رجلي لحد آخر لحظة."
وقعت على الكرسي وأنا بعيط.
آخر سطر كان:
"بس لو العملية نجحت، أول حاجة هطلبها منك إنك تسامحيني... ولو ما نجحتش، افتكري إني كل يوم رجعت فيه البيت كان عشان أشوفك."
الورقة وقعت من إيدي.
وفجأة سمعت صوت جري في الممر.
خرجت بسرعة.
محمود كان واقف قدام باب العمليات.
قربت منه.
"هو لسه جوه؟"
قال:
"آه."
"بقاله قد إيه؟"
"حوالي أربع ساعات."
قعدت على الكرسي.
لأول مرة فهمت كل حاجة.
العشا اللي كان بيرجعه.
المكالمات القصيرة.
الإرهاق.
الليالي اللي كان بيصحى فيها لوحده.
والدموع اللي كان بيخبيها عني.
كل حاجة كنت فاكرة إنها إهمال، طلعت خوف.
بعد حوالي ساعة، باب العمليات اتفتح.
خرج الدكتور.
وقفنا إحنا الاتنين.
قال:
"العملية نجحت."
مافهمتش في الأول.
"يعني... أحمد؟"
ابتسم.
"أحمد بخير."
انهرت من العياط.
دخلت له بعد ما سمحوا لي.
كان نايم، وشه شاحب، والأجهزة حوالينه.
مسكت إيده.
وبصيت له وأنا بعيط.
بعد دقائق، عينيه فتحت ببطء.
بصلي.
حاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيف.
قلت له:
"ماتتكلمش."
دموعه نزلت.
قربت منه.
وقلت:
"بس لما تخف... هزعقلك."
ابتسم ابتسامة صغيرة.
قلت وأنا بضحك وسط دموعي:
"إنت فاكر إنك هتهرب من الحساب عشان عملت فيها بطل؟"
حرك إيده بصعوبة ومسكني.
قلت:
"أنا مش زعلانة إنك كنت خايف."
وسكت شوية.
"أنا زعلانة إنك خفت لوحدك."
قفل عينيه، ودمعة نزلت على خده.
وبعد أسابيع طويلة من العلاج، أحمد بدأ يتحسن.
ولما رجع البيت، بنتنا جريت عليه وح. ضنته.
أما أنا، فحطيت قدامه طبق الأكل.
بصلي وقال:
"إيه ده؟"
قلت:
"عشا."
ضحك.
"هتاكلي معايا؟"
قعدت جنبه.
"المرة دي آه."
بص لي باستغراب.
قلت:
"عشان من النهارده، مفيش حد في البيت هياكل لوحده."
ضحك، ومد إيده ومسك إيدي.
وبعدها بأسابيع، رجع أحمد المستشفى.
بس مش كجراح.
رجع بالتدريج، بعد ما خلص علاجه، وبقى يقضي وقت أقل في العمليات ووقت أكتر مع المرضى وأسرهم.
أما أنا، فكنت كل ما ألاقيه بيتعب، أقوله:
"كفاية."
وكان يرد:
"حاضر."
ولأول مرة من 11 سنة، كلمة "حاضر" منه كانت معناها إنه فعلًا سمعني.
وبعد سنة، في عيد ميلاد بنتنا التاسع، وقف أحمد قدامها وهو ماسك كيك صغيرة.
قال لها:
"السنة دي عندي أمنية."
سألته:
"إيه؟"
بصلي وقال:
"إن بابا يفضل موجود معاكي كل أعياد ميلادك."
بنتنا ح. ضنته.
وأنا وقفت بعيد وأنا بعيط.
وقتها فهمت إن بعض الناس لما يختفوا من حياتنا ساعات، مش بيكونوا بيهربوا مننا...
بيكونوا بيحاولوا يرجعوا لنا وهم لسه قادرين يقولوا:
"أنا هنا."
وأحمد كان لسه هنا.
ودي كانت أهم مفاجأة في حياتي كلها.
تمت

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.