جوزي كل ما يتكلم يقولي «لو مش عاجبك العيشة معايا، الباب قدامك»… لكن يوم ما صدقته فعلًا ومشيت، عرف متأخر هو خسر إيه. طول 7 سنين جواز، كانت بتسمع منه نفس الجملة كل مرة تحاول تتكلم معاه عن المشاكل اللي بينهم: — لو مش مرتاحة معايا، الباب قدامك… محدش غاصبك تفضلي.
كان بيقولها بثقة واحد متأكد إنها عمرها ما هتقدر تمشي وتسيبه. ويمكن علشان كده، عمره ما فهم خطورة الجملة دي… لحد اليوم اللي هي قررت تصدقه فيها. في ليلة، رجع من شغله مرهق، هدومه عليها تراب، ودماغه مليانة مشاكل وحسابات.
كان طول اليوم في الشغل، بيتابع العمال ويحاول يحل مشاكل متراكمة. أما هي، فكانت مجهزة العشا ومستنية أكتر من ساعة علشان تتكلم معاه. وهي بتشيل الطبق من قدامه قالت: — ساعات بحس إن مهما عملت، ملوش قيمة عندك… كأني دايمًا تقيلة عليك. رفع عينه لها بضيق: — هنبدأ في نفس الكلام تاني؟
قالت بهدوء: — أنا مش عايزة أتخانق… أنا بس عايزاك تسمعني. رد: — أنا من قبل ما الشمس تطلع وأنا في الشغل علشان أوفرلك كل حاجة ومخليكي محتاجة إيه؟ هزت راسها: — أنا مش بتكلم عن الفلوس. حط المعلقة على السفرة بعصبية وقال: — أمال بتتكلمي عن إيه؟
أخدت نفس عميق وقالت: — بتكلم عن إني عايزة أحس إن البيت ده بيتي أنا كمان… وإن من حقي آخد قرار من غير ما أحس إني لازم أستأذنك. عايزاك مرة تسألني أنا حاسة بإيه، قبل ما تشرحلي ليه أنا غلط. فضل باصص لها في صمت.
هو اتربى على إن الراجل لما يشتغل ويوفر المصاريف ويحافظ على بيته، يبقى كده عمل كل اللي عليه. لكن عمره ما عرف يتعامل مع مشاعر ما ينفعش تتحل بالفلوس. وبعد لحظات قال ببرود: — لو إنتِ تعبانة معايا للدرجة دي… الباب قدامك. محدش غاصبك تفضلي. الجملة وقعت بينها وبينه زي السكينة.
بصت للأرض. في كل مرة قبل كده، كانت ممكن تعيط. كانت هتحاول تفهمه إنها مش عايزة تسيبه، وإن كل اللي نفسها فيه إنه يبطل يحسسها إنها ضيفة في حياتها وبيتها. لكن الليلة دي… ما قالتش حاجة.
قامت بهدوء، لمّت الأطباق ودخلت تنام. وهو افتكر إن سكوتها معناه إن الخناقة خلصت. ماكانش يعرف إنها فضلت طول الليل صاحية، باصة للسقف وبتفكر. افتكرت السبع سنين اللي عاشتها معاه. كل مرة استنته يخلص شغله علشان تحكيله حاجة تهمها. كل مرة كلامها اتقطع لأنه تعبان.
كل قرار أخده لوحده من غير حتى ما يسألها رأيها. وافتكرت جدتها اللي ربتها بعد وفاة والديها. كانت وهي صغيرة قالت لها جملة ما فهمتهاش وقتها: — البيت مش المكان اللي بتنامي فيه يا بنتي… البيت هو المكان اللي تبقي عارفة إن محدش فيه نفسه يطردك.
افتكرت الجملة كتير على مدار السنين. لكن الليلة دي، لأول مرة فهمتها بجد. مع طلوع الصبح، جوزها استعد ينزل شغله. وقف عند الباب وقال: — هتأخر النهارده. كانت مستنية يقرب منها. يسألها نامت كويس ولا لأ. أو حتى يفتح كلام عن اللي حصل امبارح.
لكنه اكتفى إنه أخد مفاتيحه. قالت بهدوء: — ماشي. وقف ثواني كأنه عايز يقول حاجة. لكنه ما قالش. خرج وقفل الباب وراه. ولما صوت عربيته اختفى، دخلت أوضة النوم وطلعت شنطة قديمة كانت محتفظة بيها من أيام جدتها.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.