— إنتِ اسمك إيه؟
— ملك.
— وده؟
بصت للرضيع.
— يونس… أخويا.
— ومامتك فين؟
سكتت.
— ملك؟
قالت بصوت واطي:
— في البيت.
— مالها؟
— سخنت قوي… والدكتور قال عندها التهاب ولازم ترتاح.
وبعدين قربت مني وقالت كأنها بتعترف بسر خطير:
— بس ماما كانت بتعيط.
— ليه؟
— علشان قالت لو ماجتش الشغل حضرتك ممكن تجيب واحدة غيرها… وساعتها مش هيبقى معانا فلوس ندفع الإيجار.
حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
قلت لها:
— مين قالك إني هطردها؟
رفعت كتفها الصغير.
— ماما بتقول الأغنيا مش بيحبوا حد يتأخر عن شغله.
رغم الموقف، كدت أبتسم.
— ومين جابك هنا في الوقت ده؟
— عم صابر.
اتغيرت ملامحي.
— عم صابر عارف إنك هنا؟
هزت راسها.
— هو فتحلي الباب وقاللي أخلص بسرعة، وهو مستنيني في أوضة الجنايني.
وقفت.
الموضوع ماعجبنيش.
عم صابر يعرف كويس إن ممنوع يدخل أي حد البيت وأنا مسافر.
لكن قبل ما أفكر أكتر، ملك شدت طرف جاكتي.
— أستاذ سليم؟
— نعم؟
أشارت ناحية الحيطة اللي ورا مكتبي.
— هو حضرتك عندك حد عايش هناك؟
بصيت ناحية المكان اللي بتشاور عليه.
مكتبة ضخمة من الخشب الغامق كانت مغطية الحائط كله.
المكتبة دي موجودة من وأنا طفل.
يمكن من قبل ما أتولد أصلًا.
ضحكت باستغراب.
— هناك فين؟
أشارت بإصبعها.
— ورا الكتب.
— ورا الكتب حيطة يا ملك.
هزت راسها بسرعة.
— لأ.
ابتسمت.
— لأ إزاي؟
قربت مني أكتر وهمست:
— فيه حد هناك.
الابتسامة اختفت من وشي.
— إنتِ شفتي حد؟
— لأ.
— أمال عرفتي منين؟
بصت ناحية المكتبة.
— بيخبط.
سكت لحظة.
— مين؟
قالت ببساطة:
— اللي مستخبي ورا الحيطة.
حاولت أقنع نفسي إنها طفلة وخيالها واسع.
قلت:
— يمكن صوت المواسير.
لكنها هزت راسها بعناد.
— المواسير مش بتخبط تلات مرات.
حسيت بقشعريرة عدت في ضهري.
— تلات مرات؟
— أيوه.
رفعت إيدها الصغيرة وخبطت على سطح المكتب.
دق.
دق.
دق.
— كده.
بصيت للمكتبة.
— وسمعتي الصوت إمتى؟
قالت:
— كل مرة باجي مع ماما بالليل.
— كل مرة؟!
— أيوه.
بدأت أحس إن الموضوع مش مجرد خيال طفلة.
— ومامتك سمعته؟
ملك بصت للأرض.
— قلتلها.
— قالتلك إيه؟
— قالتلي ماجيبش سيرة الموضوع قدام حد.
هنا قلبي بدأ يدق أسرع.
— ليه؟
رفعت عينيها ناحيتي.
— قالت إن فيه حاجات في البيت ده أحسن مانسألش عنها.
الكلام وقع عليا زي حجر.
أمينة بتشتغل عندي من أربع سنين.
إيه اللي تعرفه عن بيتي وأنا معرفوش؟
قربت من المكتبة.
مديت إيدي ولمست الخشب.
قديم.
ثقيل.
ثابت في الحائط من عشرات السنين.
قلت لنفسي إن الموضوع سخيف.
يمكن فئران.
يمكن تمديدات مياه.
يمكن أي حاجة.
وفجأة…
دق.
اتجمدت.
ملك مسكت هدومي.
دق.
نفسي وقف.
وبعد ثانيتين…
دق.
تلات خبطات.
جاية بوضوح من خلف المكتبة.
مش من فوق.
ولا من تحت.
من وراها مباشرة.
بصيت لملك.
هي ماصرختش.
بس قالت:
— شوفت؟
قربت ودني من الخشب.
سكون.
خبطت بإيدي.
— مين هناك؟
مفيش رد.
كررت:
— فيه حد؟
ولا صوت.
بدأت أمرر إيدي على جوانب المكتبة.
مفيش أي فراغ واضح.
لكن لما وصلت للناحية اليمين، حسيت بتيار هوا بارد جدًا جاي من شق صغير بين الخشب والحائط.
رجعت خطوة.
إزاي فيه هوا جاي من ورا مكتبة ملزوقة في حيطة خارجية؟
طلعت موبايلي وفتحت الكشاف.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات جاية من الممر.
ملك اتخضت.
الباب اتفتح.
كان عم صابر.
أول ما شافني، لون وشه اتغير.
— أستاذ سليم؟!
بصيتله.
— مساء الخير يا عم صابر.
— حضرتك… رجعت إمتى؟
— من عشر دقايق.
عينه راحت فورًا ناحية ملك.
— أنا كنت…
قاطعته:
— عارف إنها هنا؟
سكت.
— أصل أمها تعبانة والبنت…
— بنت عندها ست سنين جايبها الساعة واحدة ونص بالليل تنظف بيت لوحدها؟
نزل عينه للأرض.
— غلطت يا أستاذ سليم.
كنت متضايق، لكن فيه سؤال أهم.
أشرت للمكتبة.
— إيه اللي ورا دي؟
رفع راسه فجأة.
شفت حاجة في عينيه.
خوف.
مش استغراب.
خوف.
كرر بصوت متوتر:
— ورا إيه؟
— المكتبة.
— حيطة.
— وأنا كنت فاكر كده.
سكت.
قربت منه.
— سمعت خبط جاي من وراها.
اتغير وشه.
قال بسرعة:
— فئران.
ضحكت ببرود.
— فئران بتخبط تلات خبطات منتظمة؟
ما ردش.
ملك قالت من ورايا:
— كل ليلة.
عم صابر لف ناحيتها بعنف.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.