— إنتِ قولتي له؟!
صوته كان حاد لدرجة إن ملك رجعت خطوة للخلف.
وقفت بينه وبينها.
— صوتك مايعلاش عليها.
— أنا آسف…
— إنت تعرف إيه؟
— ولا حاجة.
— بصلي يا عم صابر.
رفع عينه.
قلت:
— إنت خدمت أبويا عشرين سنة. وأنا عمري ما عاملتك غير كإنك واحد من أهل البيت. ماتخلينيش أندم.
بلع ريقه.
— والله يا ابني…
أول مرة من سنين يناديني “يا ابني”.
— فيه حاجات أبوك الله يرحمه كان طالب مني مااتكلمش عنها.
حسيت الدم برد في عروقي.
— حاجات زي إيه؟
بص ناحية المكتبة.
— سيبها مقفولة.
— إيه اللي مقفول؟
سكت.
مسكت ذراعه.
— إيه اللي ورا المكتبة يا عم صابر؟
همس:
— باب.
ملك شهقت.
وأنا فضلت باصصله.
— باب لإيه؟
هز راسه.
— معرفش.
— كداب.
— والله العظيم معرفش! أنا شوفت الباب مرة واحدة من حوالي تمنتاشر سنة. أبوك كان بيقفل المكتب ومحدش بيدخله.
— وأمي؟
— ماعرفش كانت تعرف ولا لأ.
مشيت ناحية المكتبة.
— بتتفتح إزاي؟
مسكني من دراعي.
— ماتعملش كده.
لفيت له.
— ليه؟
كان وشه شاحب.
— لأن أبوك قبل ما يموت بأسبوع خلاني أوعده إن المكتبة دي عمرها ما تتحرك من مكانها.
اتجمدت.
أبويا؟
قبل موته بأسبوع؟
أنا كنت موجود وقتها.
كان مريض جدًا، لكنه كان واعي.
ليه ماقاليش؟
قلت:
— قالك السبب؟
عم صابر هز راسه.
— قال جملة واحدة.
— إيه؟
بصلي مباشرة.
— قال: “لو سليم عرف اللي ورا الحيطة… حياته كلها هتتغير.”
قلبي بدأ يدق بعنف.
وفي نفس اللحظة…
دق.
دق.
دق.
الخبط رجع.
لكن المرة دي حصل شيء أسوأ.
بعد الخبطات، سمعنا صوت خافت جدًا.
صوت احتكاك.
كأن حاجة بتتحرك من الناحية التانية.
عم صابر رجع لورا.
— يلا يا ملك.
لكن ملك ما اتحركتش.
كانت باصة تحت المكتبة.
وفجأة قالت:
— أستاذ سليم…
— إيه؟
أشارت للأرض.
— فيه حاجة طلعت من تحت.
نزلت بعيني.
كانت ورقة صغيرة قديمة، جزء منها ظاهر من أسفل المكتبة.
انحنيت وسحبتها.
عم صابر صرخ:
— ماتلمسهاش!
لكن الورقة كانت خلاص في إيدي.
لونها أصفر، وحوافها متآكلة.
فتحتها بحذر.
كان عليها خط أعرفه كويس.
خط أبويا.
وفي أول سطر مكتوب:
“إلى ابني سليم…
لو وصلت للورقة دي، يبقى السر خرج من مكانه، وأنا غالبًا مش موجود علشان أمنعك.”
إيدي بدأت ترتعش.
كملت القراءة.
“قبل ما تفتح الباب، لازم تعرف إن اللي اتقال لك طول عمرك عن وفاة أخوك… مش الحقيقة.”
وقفت.
رفعت عيني ناحية عم صابر.
— أخويا؟!
أنا ماعنديش إخوات.
على الأقل…
ده اللي عشت سبعة وتلاتين سنة مصدقه.
عم صابر قعد على أقرب كرسي كأن رجليه مش شايلينه.
قلت بعصبية:
— أبويا يقصد مين؟!
ما ردش.
مسكت الورقة وكملت.
لكن باقي الكلام كان ممزق.
مفيش غير جملة أخيرة في أسفل الورقة:
“ولو سمعت الخبط بعد موتي…
اخرج من البيت فورًا، وما تحاولش تعرف مين اللي بيخبط.”
رفعت عيني ببطء ناحية المكتبة.
الصمت رجع.
ثواني مرت.
وفجأة سمعنا صوت واضح جدًا من خلف الخشب.
مش خبط المرة دي.
كان صوت إنسان.
صوت راجل ضعيف، بالكاد مسموع.
لكنه نطق كلمة واحدة خلت جسمي كله يتجمد.
— سليم…
ملك مسكت إيدي.
عم صابر وقف مذعور.
أما أنا فقربت من المكتبة، وحطيت كفي على الخشب.
الصوت رجع.
أوضح المرة دي.
— سليم…
ثم همس:
— ماتصدقهمش.
لفيت بسرعة ناحية عم صابر.
لكنه كان واقف عند الباب، ووشه أبيض زي الورق.
سألته:
— مين ده؟
ما ردش.
صرخت:
— مين اللي ورا الحيطة؟!
بصلي عم صابر بعينين مليانين خوف، وقال:
— الشخص الوحيد اللي أبوك قضى آخر عشرين سنة من عمره وهو بيحاول يخليك ماتعرفش إنه لسه موجود.
وفي اللحظة دي…
مقبض معدني صغير خرج ببطء من جانب المكتبة.
كأن حد من الناحية التانية…
كان بيفتح الباب.
يتبع — الجزء الثاني

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.